الجمعة، 10 أبريل 2015

تخيّل أن تكون قطاراً ..

تخيّل أن تكون  قطاراً .
كيف لك أن تتحمل كل تلك الوحدة . أن تقاوم كل ذلك 
الاحتراق في داخلك . وتنفثه دُخانا فقط .
الشعور الدائم بالغربة .
 وأنت تعيش بلا وطن .
بلا مستقر .
القطارات لم تنتمي أبدا إلى أي محطة .
القطارات انتمت الى "الطرق الى المحطات ".
ما أقسى ذلك .

لسبب ما كنت اعتقد أن كل القطارات تنتمي الى الشمال .
الشمال حيث الصحراء التي تحب .
حيث الفضاء الوسيع .
حيث الفحم - غذاءها - الجيد .
كيف لها أن تصبر على نفس الطعام مرة بعد مرة .
القطارات عاشت حياتها تبحث عن هويتها .
هل هي رسول العاشقين الذي يحمل الرسائل ؟
أم هي ذلك المارد الملعون الذي دائما ما يبعد الأحباب ؟
لم يستطع القطار يوما أن يعرف  ماهيّته .
في كل قطار ستجد ألف قصة .
ألف ذكرى .
هناك قطار يحمل رسالة حب انتظرتها فتاة لسنين .
احداها يحمل خطاب اعتذار الى والدة يسألها فتاها الطائش العفو والعافية بعد أن سافر ليلاً بحثًا عن حياة .
وهرباً من حياة .
بعض القطارات تحمل خطابات الترقية .
بعضها بحمل جوابات  الفصل .
مقطورات تحمل الكتب .
مقطورات تحمل الخمور .
مقطورة تنقل القمح الى الجنوب .
مقطورة لا تعرف الى اين تسير . فقط ذهبت مع القطيع .
أي ارتباك يحويه ذلك القطار . وهو كل ما ألف الطريق ، ازداد وحشة .
الطُرق التي لا تعيد إلى المنزل لا تُسمّى طُرق .
الطرق التي لا تحوي الرفاق لا تسمى طرق .الطُرق التي لا يوجد من ينتظرنا في آخرها أيضاً لا تُسمّى طرق .
ما أعظمه من تناقض . 

رغم ذلك كانت القطارات دائما يسير .
في نفس الاتجاه .
بنفس السرعة .
بنفس المبدأ .
بنفس القوة .
بنفس الوجع .
كانت لها القدرة ان تحمل مئات الاطنان من البضائع .
عشرات المسافرين .
وملايين الذكريات .

القطار ظل دوما باراً بركابه .
لم يفتش حقائبهم . ولم يسألهم عنها . هو اكثر من يعرف أن "الخطى أثقل من الحقائب عندما تحين لحظات الوداع ".

أحسد القطار. فقد كان دوماً قوياً . فهو لم ينتظر أحدا .
الجميع انتظره . وضبط ساعاته على مواقيته .
هو فقط لم ينتظر .
القطار فقط جعل أثرا دالًا عليه في كل مكان مرّ به .
أحسد القطار على استقامته . هو فقط اختار طريقا واحدا ولم يَحِدْ عنه رغم كل المغريات .

القطار فقط كان يجد دوما الفرصة للبكاء .
الفرصة للهرب .
الفرصة للرحيل .
وحتى الفرصة للرجوع .

القطارات فقط لها الحق أن ترحل . ولها الحق أن تعود . والجميع سينتظر .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق